أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

194

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

في كون الشركاء مزينين للقتل ، وليسوا قاتلين . والثاني : أن يكون الشركاء قاتلين ، ولكن ذلك على سبيل المجاز ، لأنهم لما زينوا قتلهم لآبائهم ، وكانوا سببا فيه ، نسب إليهم القتل مجازا . وقال أبو البقاء : ويمكن أن يقع القتل منهم حقيقة . « وفيه نظر لقوله : « زَيَّنَ » ، والإنسان إنما يزيّن له فعل نفسه ، كقوله تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً . وقال غير أبي عبيد : وقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر ، إلا أنهم خفضوا « الأولاد » أيضا ، وتخريجها سهل ، وهو أن يجعل « شركائهم » بدلا من « أَوْلادِهِمْ » بمعنى أنهم يشركونهم في النسب والمال وغير ذلك . قال الزجاج : وقد رويت « شركائهم » بالياء في بعض المصاحف ، ولكن لا يجوز إلّا على أن يكون شركاؤهم من نعت الأولاد ، لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم . وقال الفراء - بعد أن ذكر قراءة العامة ، وهي « زَيَّنَ » مبنيا للفاعل ، « شُرَكاؤُهُمْ » مرفوعا على أنه فاعل ، وقراءة « زَيَّنَ » مبنيا للمفعول ، « شُرَكاؤُهُمْ » رفعا على ما تقدم من أنه بإضمار فعل - : « وفي مصحف أهل الشام « شركائهم » بالياء ، فإن تكن مثبتة عن الأوّلين فينبغي أن يقرأ « زَيَّنَ » ، ويكون الشركاءهم الأولاد ، لأنهم منهم في النسب والميراث . وإن كانوا يقرأون « زيّن » - يعني بفتح الزاي - فلست أعرف جهتها ، إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون : أتيتها عشايا ، ويقولون في تثنية « حمراء : حمرايان » فهذا وجه أن يكونوا أرادوا : زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركايهم » . - يعني بياء مضمومة ، لأن شركاءهم فاعل ، كما مر في القراءة العامة . قال : « وإن شئت جعلت « زَيَّنَ » فعلا إذا فتحته لإبليس ، ثم تفخض الشركاء باتباع الأولاد . قال أبو شامة : قلت : يعني تقدير الكلام : زيّن مزيّن ، فقد اتجه « شركائهم » بالجر أن يكون نعتا للأولاد ، سواء قرىء « زيّن » بالفتح أو بالضم . وقرأت فرقة من أهل الشام ، ورويت عن ابن عامر أيضا : « زين » بكسر الزاي ، بعدها ياء ساكنة ، على أنه فعل ماض مبني للمفعول ، على حد « قيل ، وبيع » ، و « قتل » مرفوع على ما لم يسم فاعله ، و « أولادهم بالنصب ، و « شركائهم » بالخفض ، والتوجيه واضح مما تقدم ، فهي القراءة الأولى سواء ، غاية ما في الباب أنه أخذ من زان الثلاثي وبني للمفعول ، فأعل بما قد عرفته في أول البقرة « 1 » . واللام من قوله : « لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » متعلّقة ب « زَيَّنَ » ، وكذلك اللام في قوله : « لِيُرْدُوهُمْ » . فإن قيل : كيف تعلق حرفا جر بلفظ واحد ومعنى واحد ، بعامل واجد من غير بدلية ولا عطف ؟ فالجواب أن معناهما مختلف ، فإنّ الأولى للتعدية ، والثانية للعلية . وقال الزمخشري : إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل ، وإن كان من السدنة فهي للصيرورة » . - يعني أن الشيطان يفعل التزيين ، وغرضه بذلك الإرداء ، فالتعليل فيه واضح ، وأما السّدنة فإنهم لم يزينوا لهم ذلك ، وغرضهم إهلاكهم ، ولكن لما كان مآل حالهم إلى الإرداء أتى باللام الدالة على العاقبة والمآل . قوله : « وَلِيَلْبِسُوا » عطف على « ليردوا » علل التزيين بشيئين : بالإرداء ، وبالتخليط وإدخال الشبهة عليهم في دينهم . والجمهور على : « وَلِيَلْبِسُوا » بكسر الباء من : لبست عليه الأمر ، ألبسه - بفتح العين في الماضي ، وكسرها في المضارع ، إذا أدخلت عليه فيه الشبهة ، وخلطته فيه ، وقد تقدم بيانه في قوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ « 2 » . وقرأ النخعي : « وليلبسوا » بفتح الباء ، فقيل : هي لغة في المعنى المذكور ، تقول : لبست عليه الأمر ، بفتح الباء وكسرها ، ألبسه وألبسه . والصحيح أن « لبس » بالكسر ، بمعنى لبس الثياب ، وبالفتح بمعنى الخلط ، والصحيح أنه استعار اللباس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط حتى كأنهم لبسوها كالثياب ، وصارت محيطة بهم . وقوله : « ما فَعَلُوهُ » الضمير المرفوع للكثير ، والمنصوب للقتل ، للتصريح به ، ولأنه المسوق للحديث عنه ، وقيل :

--> ( 1 ) آية ( 11 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 49 ) .